صواريخ ملونة لا تبعث على البهجة

بواسطة داليا بسيوني – كتب في “جدلية”

أعشق الصواريخ الملونة التي تطلق في الهواء فتنير السماء. تبتسم شفتاي رغماً عني أينما كنت إذا ما رأيت صواريخ ملونة. أعرف صوتها جيداً، وأميزه وسط أي ضوضاء. يتحرك رأسي باتجاهها، وكأنما يجذبه مغناطيس للاتجاه الصحيح. غالباً أكون أول من يرى الصورايخ الملونة. أقفز فرحة في الهواء، وكأنني أود أن أصعد أنا أيضاً في اتجاه السماء لأمسك بهذه النجوم التي تتلألأ لثوان معدودة ثم تختفي. آلاف النجمات في تشكيلات متلألاة، متداخلة، ينفجر بعضها نوراً من داخل بعض. الصواريخ الملونة علامة من علامات الفرح التي تدخل على قلبي السعادة.

اليوم رأيت صواريخ ملونة.. ولم يمتلئ قلبي سعادة!

كنت في بلكونة عالية وسط المدينة، ورأيت السماء خضراء، ثم حمراء، ثم ذهبية، وبعد قليل من إتجاه آخر ظهرت ألوان أخرى. وسمعت أصوات طلقات رصاص، وأصوات صواريخ، بعد ثوان قليلة أدركت سببها. يحتفل مؤيدو الإخوان المسلمين بالقرارات الرئاسية التي صدرت اليوم بإحالة كبار رجال الجيش للتقاعد، وتسليم بعضهم مواقع حيوية خارج الجيش، وتعيين قيادات جديدة ذات توجهات إخوانية.

أصدر مرسي عدداً من القرارات الكبرى التي ستكشف الأيام عما وراءها. لم يفرج عن آلاف الثوار المعتقلين إثر محاكمات عسكرية متعجلة، أو حتى يدعو لمحاكمتهم أمام محاكم مدنية. لم يتخذ قراراً واحدا ينصف المصابين، أو يرد حق من بذلوا دمهم واستشهدوا دفاعاً عن مبدأ. عزل وعين. ألغى دستوراً مكملاً، وحل مجلساً عسكرياً، بدل قيادة بأخرى، وأمسك بزمام كافة السلطات، فنزل مؤيدوه يحتفلون.

أحارب الزحام في شوارع وسط المدينة المهمومة بشراء ملابس للعيد الذي اقترب موعده. أتفاوض مع البشر، والباعة، والبضاعة المعروضة على الرصيف وفي نهر الطريق، أصارع حتى لا تصرعني سيارة ضج قائدها من شدة الازدحام، حتى اقترب من الميدان. ميدان الثورة. قابلت فيه أنبل من في مصر، رأيت فيه بطولات يومية، وتضحيات، وابتسامات، وشجاعة لم أعرفها من قبل سوى في كتب الملاحم. تعلمت فيه الكثير، وفتحت قلبي لصداقات جديدة غيرتني كما غيرت بلدي. ميدان التحرير.

طاقة الميدان مختلفة تماماً هذه الليلة. لا يشوبه أي شعور بالأمان. تزاحم وتدافع وهرج. سيارات تتحرك وسط تلاحم البشر. هتافات وأناشيد ذات طبيعة مختلفة. شعارات ولافتات مؤيدة للرئيس. أناس كثيرون.. لكنهم ليسوا أصدقائي. لم يتجمعوا هنا ليدافعوا عن حقي في أن أكون، أو أن أقول رأيي. لم يأتوا هنا من أجل حرية الوطن، وتحرير الثوار. أتوا ليدعموا قرارات، يعتقدون أنها تحررهم من العسكر، وتوسع سلطة رئيس الدولة. فرحهم المبالغ فيه، هتافاتهم ذات النبرة الإسلامية، صواريخهم الملونة لا تثير في سوى شجون.

أقف إلى جوار “أبي الثوار” وسط الميدان. عينا العجوز كالصقر تجوب الميدان في قلق حذر. أقول له جئت لأطمئن عليك، يقول لي “ظفرك برقبة الإتنين دول!” يقصد من يجلس على كرسي الرئاسة، ومن كان يرأس المجلس العسكري. “ظفر أي شابة أو شاب مصري برقبتهم كلهم!” تتجمع دموع لا تنزل من عينيّ. يخشى الرجل الحكيم من الصدام بين أبناء الشعب بسبب القرارات الرئاسية التي لم يتضح بعد ما وراءها. لقد رأى كثيراً من الدم الطاهر مراقاً في الميدان والشوارع المحيطة، ولا يود أن تزهق دماء مصرية أخرى.

وسط الميدان يتفجر بلون أحمر مضئ، ألعاب نارية أرضية. يدور عدد من الشباب حولها في سعادة. بينما ينقبض قلبي وأنا أرى الصواريخ الملونة تطلق من ميدان التحرير، بعدما سمعت الهتافات، والأناشيد، والشعارات، ورأيت اللافتات المؤيدة للرئيس.

اليوم لم يعد للصواريخ الملونة معنى سعيداً مبهجاً، بالنسبة لي!

 

التعليقات مغلقة.