حلم مسرحى من الكرتون

بواسطة داليا بسيوني – اليوم السابع

وسط عروض ضعيفة، ومسرحيات يصعب البقاء حتى نهايتها كان العرض البولندى “مسرحية عاطفية لأربعة ممثلين”، نسمة هواء منعشة لجمهور المهرجان الدولى للمسرح التجريبى، الذى يفضل الجلوس قرب باب المسرح حتى يتمكن من الهرب بسهولة من المسرحيات المملة أو التى لا يفهم شيئا من لغتها.

تمكن “مسرحية عاطفية لأربعة ممثلين”، الذى قدمته الفرقة البولندية “مسرح مونتونيا”، تأليف وإخراج بيوتر سيبلاك، من اجتذاب المتفرجين من أول دقيقة عن طريق اثنين من الموسيقيين على خشبة المسرح، يستخدمان عددا من الآلات الموسيقية بطرق غير تقليدية لإصدار أصوات تواكب حركة الممثلين على المسرح وأحيانا تشاغبها.

صناع العرض البولندى لديهم وعى تام بلعبة المسرح والمسرحة، ويستغلونها بشكل فنى رائع لتقديم كوميديا جديدة تستخدم المفردات التقليدية للمايم والكوميديا ديل أرت والفنون البهلوانية.
طور فريق العمل المفردات الكوميدية التقليدية لتناسب عقل المشاهدين المعاصرين، وسرعة إيقاع القرن الحادى والعشرين، فنجحوا فى خلق عرض مسرحى شديد الحيوية رغم عدم استخدامه للغة المنطوقة، يستمتع به الجمهور كبارا وصغارا على اختلاف ثقافاتهم ولغاتهم.

سر جمال هذا العرض الحركى الكوميدى الموسيقى (الصامت) يكمن فى بساطته، حيث اعتمد، إلى جانب قدرات الممثلين البدنية، على الورق والكرتون وبعض الخيوط لتقديم حالة مسرحية مثيرة ومسلية.
خلق المخرج صندوقا مفرغا من أخشاب البامبو، وغطاها بأوراق الكارتون البنية اللون، فى صورة غير مثيرة لونيا، لكن “الستائر” الكرتونية تفتح لتكشف عالما بصريا مبهرا عن طريق استخدام شديد الذكاء لمفردات العرض الورقية.

قدم العرض كثيرا من النماذج المبتكرة لكيفية إحداث التأثير المسرحى عن طريق الورق والكرتون، فكان درسا فى إبهار البساطة، ورقى الكوميديا.
يجذب ممثل أحد الخيوط فيرتفع لوح كرتون على شكل سرير، يسند رأسه عليه، فنعرف أن الليل حل، عندما يأتى الصباح، يترك الخيط فينزل السرير على الأرض، ويظهر المكتب الكرتونى، فيشبك عليه فنجانا كرتونيا (بمشبك ورق)، عندما يستخدم ممثل آخر هذا الجزء من المسرح، ينزل خيطا آخر فيه كيس شاى فوق الفنجان الكرتونى فتتعالى ضحات الجمهور.

وتتحول أوراق الكارتون إلى عالم ينبض بحيوية فى عرض “مسرحية عاطفية لأربعة ممثلين” حيث يحرك أحد الممثلين زهرة ورقية فترمى بذورها حول المسرح، بعد ثوان تملأ زهور عباد الشمس الورقية خلفية المسرح.
كما يظهر كلب كرتونى صغير، يتعاطف معه أحد الممثلين، فيدخله إلى بيته، ويدربه على الحياة داخل المنزل، وقد تمكن الموسيقيان من إصدار أصوات مبتكرة للتعبير عن ردود فعل الكلب، إلى جانب مئات التأثيرات الموسيقية الأخرى التى أثارت اهتمام وضحك المتفرجين.
ويعبر العرض عن صخب الشارع فى المدينة عن طريق الأصوات المتعددة الصادرة من الآلات الموسيقة، والتى تتزامن مع تمرير عدد كبير من علامات المرور المعلقة على حبل، بسرعة كبيرة حول المسرح.

واستجاب الجمهور المتحمس لكل تفاصيل العرض الكبيرة والصغيرة فتعالت الضحات على رد فعل الرجال الأربعة عند ظهور حذاء ورقى أحمر ذو كعب عال، يرمز لمرور امرأة على خشبة المسرح.
كما صفقوا طويلا من تأثير قطرات المطر المقصوصة على لوح طويل من الورق يفرده الممثلون، أو فضلات الكلب الورقية التى تتحول لسماد يوضع جانب الشجرة فتثمر تفاحة.
نجح صناع العرض فى استغلال الورق ثنائى الأبعاد لتقديم عالم ذو عمق كبير، وتعليق فلسفى على الحياة المعاصرة، فرغم العزلة التى يعيش فيها الأفراد تتقاطع خطوط حياتهم وتؤثر فى بعضها البعض، ويتبادلون الأدوار أحيانا.

وتعد “مسرحية عاطفية لأربعة ممثلين” نموذجا هاما للعروض التى يجب أن يسعى المهرجان لتواجدها لمستواها الفنى المتميز، وقدرتها على المسرحة، ولغتها شديدة البساطة والذكاء فى نفس الوقت، وعدم اعتمادها على لغة منطوقة يصعب على المتفرجين المصريين متابعتها.

 

التعليقات مغلقة.